منحوتات بأيدٍ عارية وبطون خاوية وأدوات بسيطة ساذجة نحتها من يكدُّ ويكدح ليضلَّ حيَّا في الناحية الأخرى من الكوكب!
"سابيتوا" صندوق من خشب الأرْز العطري الطبيعي، صُنِعَ بأيدٍ محترفة ماهرة، نحتت حظها من الحياة، ورزقها من هذه الخشبيات والصناعات الدقيقة.
سكان المحليون في أعالي غابات جبال ملانجي بجنوب شرق قارة أفريقيا الغامضة الموحشة، يسميها السكان المحليون (سابيتوا - Sapitwa) وتعني بلغتهم المحلية "المكان الذي لا يزار" أو "لا تذهب إلى هناك"، ففي موروثهم الشعبي القديم أن الأرواح تسكن تلك الغابات.
جزيرة تطفوا فوق السحاب!
تمثل جبال ملانجي ظاهرة جغرافية وبصرية فريدة، تعرف عالميا باسم (المونادنوك -Monadnock) أو (الجبال المعزولة - Inselberg)، ولذا أطلقوا عليها اسم (جزيرة في السماء - Island in the Sky)، وذلك أنها ترتفع بشكل عمودي مفاجئ لأكثر من ٣٠٠٠ متر فوق سطح البحر، من وسط سهول شاسعة ومنبسطة خصصت لزراعة الشاي، لا يتجاوز ارتفاعها ٧٠٠ متر.
كما أنها منفصلة بيئيا عما حولها، وعن أي سلاسل جبلية مجاورة، مما خلق بيئة مناخية حصرية ونظام بيئي معزول عما حولها، وهو ما سمح بنشأة أنواع نباتية وحيوانية لا تعرف في أي مكان على وجه الأرض، وفي مقدمتها أرْز ملانجي.
والسبب الأبرز لهذه التسمية؛ الظاهرة البصرية العجيبة الفريدة، إذ تغطي السحب والضباب السهول المجاورة أكثر أوقات السنة، بينما تظل قمم جبال وغابات ملانجي الخضراء فوق السحاب، فالناظر إليها يرى جزيرة خضراء تطفو فوق السحاب، هذا خلق الله، فأروني ماذا خلق الذين من دونه!
عقدة الحكاية وبطل الرواية!
في تلك الجزيرة التي في السماء -كما يسمونها- ينحتون الجبال والأشجار والأحجار، ويستخرجون من كل شيء شيئا صالحا للبيع ولَفْتِ انتباه السائح. قابلنا في جولتنا من يبيع أحجارا ملونة ، نحتها من الجبال، فأصبحت شيئا ذا قيمة يبيعه بعشرات الآلاف من عملة محلية بائسة! [الصورة للعرض فقط].
كعادة الصناعات الحرفية؛ إن توفرت، فهي تخضع لمزاج صانعها، ولهذا لابد من فحص كل قطعة على حدة، وإذا رددنا قطعة تأسف صانعها، وافترش الأرض وأخرج أدواته ليرمم ما عِبته من جهده وعَرقه، وأنت حين تنظر لهذه المصنوعات الحرفية ترى الدقة والجهد والعرق والصبر وتقلب المزاج، وترى الجوع والشبع، والحزن والسرور، وما قد تراه من تفاوت وربما عدم إتقان -مع أننا اعتنينا بالفرز- هو من هذا، فهذه القِطَع؛ روحٌ حية، لو أصغيت إليها سمعت صوتها وتنسمت عبيرها.
كان لابد من تجميعها لقلتها، وندرة أشجارها المهددة بالانقراض، وكان بعض الحرفيين والبائعين لا يقدر قيمة ما يصنعه، فكم سألناه عنها، فإذا به يستذكر، فإذا تذكر ذهب يفتش عنها في دواليب مهملة عنده.
لَمَّا لم نجد عددا كافيا في سوق المدينة قصدنا غابات الجبل -أو الجزيرة التي في السماء- للبحث عنها عند القرويين لعل وعسى، وجدنا بعضهم، أخذنا جميع ما معهم، وكانت تعد عدا، وإن كانت أكثر عددا من التي في سوق المدينة، وأكثر تنوعا.
وقفنا على أحدهم -وهو بطل الحكاية- قد اتخذ له متكئا على قارعة الطريق، واستظل تحت شراع لا يقي من الشمس ولا يظل عن المطر، وكانت كل منحوتاته مبلولة، بل طافحة في الماء! فزعم أن هذا لا يضر الأخشاب، فقامرنا بأخذها، فكسبنا الرهان نظرا لما يتمتع به خشب الأرْز من خصائص. سألناه المزيد، وكان ذلك صباح يوم الجمعة، فوعد أن يأتي بها الأحد، فلما استعجلناه، أخبرنا أن هذا هو الوقت الممكن لكي يذهب إلى بيته ويأتي!
فلماذا كان بطل الحكاية… ؟؟؟
الحلقة المفقودة!
هذه هي الحلقة المفقودة من هذه الحكاية، والتي كان هذا بطلها، فقد أشكل علينا نوع الخشب، ولابد من معرفة نوعه حتى نستطيع عرضه وتقديمه، سألنا القرويين، كانوا أول الأمر يستغربون هذا السؤال الذي لم يسبق أن طرح عليهم، فكان كل واحد منهم يقترح اسما، حتى أن واحدا منهم اكتفى بالإشارة إلى الغابة بشكل عشوائي بدل أن يجيب!
وكان أغلبهم يذكر نوعا قد يكون هو الأكثر استخداما عندهم، ولكنا لم نقنع بهذه الإجابة، ومع البحث ومراجعة المصادر ازددنا قناعة بخطأ هذا الجواب، وكان مما استعنا به الذكاء الاصطناعي، فزاد الأمر إبهاما، وكان حاجز اللغة وعدم اقتناع الوسيط اللغوي بالسؤال أصلا من أكبر عوامل وموانع الحصول على جواب سليم، حتى وقفنا على بطل الحكاية هذا، فسألته بعد أن أخذت أخشابه المبلله، فقال: إنه خشب الأرْز!!
لا نستطيع وصف فرحتنا لمَّا حَلَلنا هذه العقدة.. أما لماذا استشكلنا الجواب السابق، فلأن الخشب المذكور صلب، وهذا ليس كذلك، كما أنه داكن اللون، وهذا بخلافه، كما يتمتع هذا بسعة مساماته، وذاك بخلافه، أما أهم علامة تجعلنا نصر ونبحث لأيام عن حقيقة هذا الخشب، أنه من الأخشاب العطرية، والخشب المذكور ليس كذلك، والأخشاب العطرية معروفة محدودة، فلما أخبرنا هذا القروي -ابن الجبال- بنوع الخشب كان قد حل العقدة، ولكننا لم نكتف بذلك، فقد واصلنا البحث، ولكن على بصيرة.
خشب الأرْز
تعتبر أخشاب الأَرْز -وليس الأرُز! فلا علاقة له بالأرز الغذائي- من الأخشاب المخروطية المقاومة للتلف والتعفن، وهي من فصيلة الأخشاب الصنوبرية والسروية، وتستعمل في الانشاءات والنجارة الدقيقة، ويعتبر من الأخشاب اللينة، ذو الكثافة المنخفضة والمتوسطة، كما أنه ذو انكماش وتمدد ضئيلين مقارنة بالأخشاب الأخرى، مما يجعله مقاوما للانحناء أو التشقق، ويجعله أكثر مقاومة لمستويات الرطوبة والتغيرات المناخية.
كما يتميز بتدرجات لونية طبيعية، تدرج ما بين الوردي الفاتح والبني الفاتح والبني الأحمر الفاقع، بنسيج متجانس وألياف مستقيمة تُبرز حلقات النمو السنوية بصورة جمالية، تمنحه ظهرا زخرفيا عاليا في التكسيات والأثاث.
خشب أرْز ملانجي
يعرف عالميا باسم (أرْز ملانجي -Mulanje Cedar) أو (مكونغوسا - Mkungusa)، وينتمي لفصيلة السرويات، وهو نوع شجري نادر، يتوطن حصريا فوق كتلة جبل ملانجي، وينمو هذا النوع في غابات النطاقات الجبلية العالية، وعلى بروزات صخرية صخرية شاهقة، بارتفاع يتراوح ما بين ١٨٣٠ و ٢٥٥٠ متر فوق سطح البحر، وأجواء مدارية باردة، تتميز بالضباب المستمر والتربة الصخرية الحمضية السيليكونية.
وهو مهدد بأزمة انقراض حادة وفق تصنيف الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة (IUCN)، حيث أدرجته ضمن قائمة الأنواع المهددة بالانقراض بالدرجة القصوى (Critically Endangered - CR)، وتراجعت المساحة الإجمالية لهذا النوع من الأشجار لتقتصر على موقع واحد لا يتجاوز ٨٤٥ هكتارا على جبل ملانجي.
وتعتبر أخشاب أرْز ملانجي أحد أجود وأقوى الأخشاب المخروطية، ويتميز بكثافة متوسطة تجعله صالحا للانشاءات وبناء السفن والمنازل والأرضيات والأثاث الفاخر والنجارة الدقيقة.
كما يعتبر خشب الأرْز بشكل عام وخشب ملانجي بشكل خاص من الأخشاب العطرية الطبيعية، وذلك لما يحويه من مركبات راتنجية العطرية، وتعتبر هذه الزيوت خط دفاع ومقاومة طبيعية ضد التعفن والتلف الناتج من التعرض للرطوبة، والهجمات الحشرية الضارية كالأرضة والعث.
ويمثل هذا النوع ثروة خشبية ذات خصائص ميكانيكية استثنائية تتفوق على معظم الأنواع الصنوبرية، ورغم تدابير المحافظة على هذا النوع من خلال وضعه ضمن محميات، إلا أن الخطر ما زال قائما.
ولأننا في مَجْمَرَةِ الأُلُوَّة نروي الحكاية، ونبيع لنحكي، فقد روينا حكاية، وما بعنا سلعة أو بضاعة.